Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

بورتلاند ، أوريغون ، 2008 / قصة ليديا داي ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2013-11-30

أصيب أكبر أخوة دافيد بسرطان الكبد الذي انتشر و وصل للعظام. و فقد هذا الأخ الشهية للطعام، لم يأكل لا طعام المستشفى الموضوع في الممرات على طاولات فورميكا، و لا الأطعمة الخاصة التي أحضرها له دافيد - سرطان البحر، بروكولي، و أكوام من الأرز الأبيض.

و حينما أعلن الأطباء أن الأخ سيتوفى في غضون أسابيع فقط، أنفق دافيد مئات الدولارات على شحن رطل من أعشاب صغيرة مستوردة من الصين. فقد استخدمت لشفاء مريض عاش برفقته، و هو يتيم من صين ماو، و كان يعزف على الأوكورديون في الشوارع. ثم هاجر إلى الولايات المتحدة، و بدأ بالعمل، و حصد ثروة صغيرة لوحده. و حينما كان لا يعمل يقوم بتصميم نماذج لطائرات من خشب البالسا(1) و الألومنيوم. ثم يعلقها بالزوايا و كأنها عصافير ناعمة و ملونة.

وقفت في المطبخ بجانبه و هو يلقي حزمة من الأعشاب في ماء يغلي. فقال لي:" في الصين ندعو هذه الأعشاب زهرة الصيف، و أعواد الشتاء. يبدو أنها تموت في الشتاء ثم تصبح في الصيف زهرة جبلية رائعة المنظر. إنها نادرة". حرك الحساء في القدر ثم أضاف:" هذا الحساء سيشفي أخي". راقبت الأعواد و هي تطفو و تصنع عصيدة رمادية اللون.

يعتقد دافيد أن اسمي ليديا، و قد دفع لي مائتي دولارا في الساعة لأتظاهر أنني صديقته الحميمة. كنت ألتقي به مرة في الأسبوع. فيطبخ الغداء، و نتبادل الكلام، ثم نصعد على سريره الموضب جيدا و نمارس الغرام بهدوء. لم يكن ذلك هو جسمي. بل هو جسم ليديا. كنت أراقب صورتي في المرآة الموضوعة فوق المكتب. و أرى أنها جميلة كما هي الصور و اللوحات الفنية. دافيد هو الرجل الوحيد الذي طارحته الغرام، و يبدو لي أنه موجود بمحاذاة كل أطراف جسمي الذي لا أشعر به. المعصم، القفص الصدري، الركبة. لقد قبّل انحناءات قدمي. و كنت أنظر لنفسي بالمرآة و لا تنتابني أي مشاعر.

قال دافيد:" ذات يوم ستلتقين بأخي". و لكن كلانا نعلم أنني لن أقابله أبدا. من واجباتي أن أتظاهر أنني بلا عمل، و أننا عاشقان، و نحن مجرد زوج عادي. و حينما استلمت ظرف النقود الذي تركه على المكتب، ربما ذهب هو ليصب كأسا من الماء أو ليقف قرب النافذة، و ينظر لأي شيء سواي.

و على ما يبدو لي إن مثل هذه التصرفات البسيطة أقل تعقيدا بكثير من التصرفات التي أقوم بها في حياتي الحقيقية. فأنا أضرب مواعيد غرامية مع بنت تدعى ماري، لأنني مغرمة بها، و لكن بالطريقة التي تحب بها شخصا تعلم من البداية أنه لن يكون لك أبدا. كنا نستلقي في سريري، و نشرب حتى تصبح الرؤية في الليل ضبابية و كأنك تنظر من عدسة لا تستطيع أن ترى فيها. و عندما تغط بالنوم، يبدأ ألم يائس بالاستيقاظ في صدري و ينتشر حتى بلعومي.

عندما انصرفت من بيت دافيد في ذلك اليوم قدم لي بعض الأعواد الصغيرة. قال لي:" أعواد الشتاء. أنت تعرفين سرها". حملت نقودي للبيت، و كذلك أعوادي الشتائية. سألني:" هل سأراك يوم الأربعاء؟ عديني أنك ستحضرين".

ذكرياتي عن تلك الفترة مبهمة، كأن الأشياء التي أخفيها مخفية عني أيضا. و أحيانا، حينما أرقد مع ماري، أستيقظ في الليل و أنا غير متيقنة من المكان. ما هذا الجسم الذي بحانبي. و لماذا دمي يتدفق و ينبض في أذني. ماري بقربي في السرير، و يد دافيد على ركبتي. إنه جسم ليديا. إنه جسمي الخاص و أنا أمتلكه. يداي باردتان. و أشعر كأنهما لم تكونا دافئتين في أية لحظة في الماضي.

في الأربعاء التالي لم يرد دافيد حينما قرعت الباب. قرعت مجددا و سمعت صوتا. كان الباب غير مقفل، فدفعته و هكذا انفتح أمامي. رأيت دافيد على السجادة، و رأسه فوق دعاسة الباب. و هو يبكي. و قد وضع كلتا يديه فوق رأسه، ليخفي نفسه. اقتربت منه و وضعت يدي على ظهره. كان أكبر مني بمرتين، و لكن كتفيه ضيقان مثل ولد صغير. و كان شعر رأسه مقصوصا بأناقة، مثل الأطفال. سألني:" هل تشعرين بشعوري؟". و وضع يديه على صدره و قال:" لقد مات". و سقطت دموعه على حضني و تابع يقول:" لقد مات، لقد مات". ثم رفع عينيه نحوي و قال و هو ينوح:" هل تفهمين؟".

شعرت بالخوف. ماذا بوسعي أن أقول له؟. إنه يعرف ليديا، و هي غير موجودة. لأنها ليست حقيقة. أخذت نقوده، و تصرفت كأنني أحبه، و سمحت له أن يتظاهر أنه يحبني. و لكن لم يكن هناك مكان للحقيقة. و هذا غير مهم. دفن وجهه في قميصي و شرع بالنحيب و التنهدات. كانت نماذج العصافير تتأرجح فوقنا. و لم أجد شيئا أقوله.

ثم نهض دافيد فجأة. و قال:" يجب أن تنصرفي". جلست في السيارة الموجودة أمام البيت لفترة من الوقت. و تمنيت لو أعرف طريقة لتغيير حياتي.

مرت ثلاثة أسابيع قبل أن يزورني دافيد ثم بدأنا بملاقاة بعضنا البعض مجددا. طوال ذلك الوقت، واصلت التساؤل سرا حول الحساء. ما طعمه، و هل يشفي شيئا. كان يبدو أنه لا يوجد شيء بين ساقيّ أو في صدري. ثم إن ماري، في غضون أسبوعين، ستتركني، و لكن ستمر سنوات قبل أن أتوقف عن تقديم خدماتي لدافيد. و حل فصل الصيف، أما أعواد الشتاء فقد بقيت كما هي، داكنة و هامدة على الطاولة الصغيرة قرب السرير، لا شك أن الأزهار تختبئ في نقطة عميقة داخل هذه الأعواد.


هامش:

1- شجرة تتبع الفصيلة الخبازية. و خشبها أقسى من الفلين و لكنه خفيف. لذلك تسمى شجرة الفلين.


الترجمة من المجلة القصصية سرديات " نارايتيف"
















تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

مقتطفات من : كافكا في المحاكمة الأخرى بقلم : إلياس كانيتي ترجمة :

17-نيسان-2021

قصائد مختارة لمارلين مونرو

03-تشرين الأول-2020

قصة / كانون الأول / كريستال أربوغاست

12-أيلول-2020

مدينة من الغرب اقصة : تميم أنصاري ترجمة

22-آب-2020

قصائد لهنري راسوف ترجمة :

20-حزيران-2020

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow